21‏/12‏/2009

يا أخت هارون



يا أخت هارون


تقويم بلدتنا التي حـقَّ عليها أن تـُحرق يرجع إلى اليوم الذي شرب فيه النخل دم أخي فما احتاج أن يـُطـَعــَّم بعدها ولا زال من حينها يطرح بلحا لا نوى له। تاريخ موت لا يذكرون هجرة قبله ولا ميلادا॥ عام وضعتْ فيه كـُلُّ ذات حمل حملها وأمطرت السماء وابلا من شظايا الزجاج ابتلعه الأطفال فـتبـرَّزوا ديدانا مُلـَوَّنة।
أحاول النوم ولا أستطيع. أسئلة كثيرة تعوم كطحالب في رأسي والنبيّ الذي يعرف الإجابة عليها أقيم عليه الحد قبل عشرين سنة. تركوا رأسه يتدحرج بين جذوع النخل سبعة أيام وعيناه ترمشان وقلبه في جسده يدق كـدفٍّ حتى أدركه أخي الأصغر ووضع قدمه فوقه. قالوا إنـَّه نظر إليه من تحت النعل وبصق: "قتلتها يا لعين." ومات.
لعلهم كذبوا. أو أنني نسيت. أو ربما أنا من يكذب.
لهذا فأسئلتي تظل بلا إجابة. أعدموه بعد أن اتـُّهـِم باغتصاب ابنته وزعموا أنها حملت منه. أيُّ ذبـْح ٍذاك الذي يحتال به القدر على الأنبياء؟عشرون سنة منذ أقيم الحدّ على أخي واختفت وردة ذات التسعة أعوام ولم يفتقدها أحد. إليك وردة أكتب. إليك أخلع ملابسي غدا لأصبح أرنبة شهر نيسان. الشهر الذي قـُـتـِل فيه أبوك وغسلوا عارهم منك فقبروك حية. لم يسلبني شهر آخر ما سلبه مني نيسان, أخي وابنته وبشارة النور في رحمها. شهرٌ ذبـِحـْتِ آخره وكـُنتِ من قبل وُلـِـدْتِ أوّله.
أتمدد على سريري المحشو بريش الأوز الناعم وأفكر بقطيع ماعز كنا نملكه. بإناث الماعز بالتحديد, بأضرعتها الممتلئة ورائحتها التي تعلق تحت الأظافر للأبد. حتى بعد أن إعتادت أظافري المانيكير على الطريقة الفرنسية, وأصابعي التدليك على أيدي فاتنات آسيويات ينقعن يديّ بزيت اللوز وأوراق الورد وحب القرنفل... للأبد...لا يطردها بخار حمامات الساونا في جنوب إيطاليا, ولا عندما تلـفـُّني موظفة المنتجع الصيفي في كانكون بلحاء الشجر لتفتح مسامي الجلدية وتنقصني بضع إنشات من وزني قبل وقوفي أمام عدسات تصوير بلاي بوي. رائحة إلتصقت بجيوبي الأنفية, لا يطردها عطر شانيل ولا عذوبة الغروب على شواطيء نيس. أعطس وأوَّلُ نفس آخذه يأتي مثقلا برائحة الماعز النتنة. برائحة شعرها وحليبها ولبنها ولحمها. رائحة أشبه بثغاء الماعز. مزعجة.
جدران بيضاء وأغطية الساتان البيضاء وضوء النيون المكتوم البياض في زاوية سقف أبيض فوق سرير مكسو بالبياض ولا أجد ما أفكر به إلا قطيع الماعز. من كان يرعاها؟ كم منها بيع وكم ذبح وكم بقي؟ كم منها حـلـَبـْتُ وأطـْعـَمـْتُ بيديّ؟
سرير ناعم مريح مثل تابوت..حقٌّ كذبحةٍ قـلـْبـِيـّة.
صمت حولي. صمت لا يـُحـْـمـَلُ مـحـْمـَل الجـِدّ, كالماء. كمياه شاطيء مهجور, تخدعك لتوغل في السباحة. وتأتي موجة صغيرة, أصغر من أن تذكر, تغافلك وأنت مستلق على ظهرك تشرب دفء الشمس... تأتي لتقتلك.
تخيفني أفكار الموت. عجزي عن الإستعداد له. موت الفجأة, كموت وردة.
صمت يعيدني إلى وردة قبل أن تخدعني ذاكرتي وأنساها أيضا, وأشك في تفاصيل وجهها كما شككت يوما في حب أخي لها وصدقت ما قالوا عنه.

أو ربما لم أصـَدِّق ولكن تـلـبـَّـسَ عليّ الأمر منذ قـُـتـِل, فما عدت أستطيع تذكـّره واقفا أو قاعدا أو حيا بل رأسا مقطوعا يتملــّص من قدره حتى أوقفته قدم يعرفها جيدا عند تلة صغيرة في وسط الوادي قد تكون قبر وردة.
كيف أدافع عن رأس مقطوعة؟
دعوني أحدثكم عن وردة. عن غربة الفكر في عيون طفلة. عن خوفي منها وكذبي عليها. عن وردة التي وُلـِـدَتْ سبعة أيام بعد موت أمها. كدنا نقبرها داخلها لولا أنَّ فجيعة أخي في عروسه جعلته يقفل أبواب بيته ويرفض أن يتزحزح من جانبها. سبعة أيام وهو يبكي ليلاه قبل أن يكسر إخوتي الباب ويـُكـَـتـِّفونه ويدفعون لنا نحن النساء بجسد ليلى لنغسلها ونكـفـِّنها. جلستُ أصبُّ الماء على شعرها وأمي تغسل جسمها عندما انزلقت وردة من داخل أمها وسط بركة من الحليب لها رائحة الحبق الذي كانت تزين به ليلى شعرها وتمضغه خلال حملها. جاءت جميلة نظيفة بعيون لها بريق العباءة السوداء وحبل سري مربوط كحلزونة أوشك أن يجفّ ويقع. درَّ الحليب من ثديي ليلى لحظتها ولم نجرؤ أن نقدمه لوردة حتى انبثق من كلا الحلمتين كعيني ماء وتقوس في الهواء باتجاه فم المولودة. وضعت أمي وردة على الجهة اليمنى وتلـقــَّيتُ أنا حليب الثدي الأيسر داخل وعاء كنت أفرغه كلما امتلأ داخل وعاء أكبر منه حتى أفرغته اثنتي عشرة مرة. ووردة لا تزال ترضع. عندما شبعت أخرجت ثدي أمها من فمها وتجشأت بصوت عال وبالت في حجر أمي..
لم نقبر ليلى يومها ولا اليوم الذي تلاه. انتظرنا أن تذوب مثل الشمع أو تتبخر تحت الشمس في فناء المنزل ولكنها بقيت كما هي, حتى انبعثت منها رائحة الموت فأغرقت البيت والشارع والبساتين وذبل العشب ونفذت الماشية وتسممت الآبار من رائحة الموت وحتميـَّته. ما عاد هناك شك أنها ميتة. عندما عاد الرجال من المقبرة طلب أخي رؤية ابنته للمرة الأولى. كنا نهمس بها همسا خوفا من أن تختفي إن نطقنا بحقيقة وجودها بصوت عال. جاءت مثل الكذب, حية من بطن الموت. عندما حملها أخي سقطت عقدة حبلها السري خضراء على شكل غصن غضّ بأوراق شائكة تاركا وراءه سرة على شكل وردة جورية حمراء.
ســمـّيناها وردة.
شهران على قارورة واحدة قبل أن يفرغ منها الحليب وتنتقل لأخرى, حتى أتمـَّت رضاعة وردة حولين كاملين, نبتت بهما أسنانها جميعها ونطقت بـِكـَمٍّ من الجـُمـَل لم ينطقه قبلها كهل طوال حياته. معها خذلتنا الأبجدية وواسينا أنفسنا أن لغة الضاد جاءت ناقصة.
لا أذكر من أين جاءت ليلى. قد يكون أخي اختطفها من قوم "يفوصلاّ" أو غزى قومها وعاد بها غنيمة. لا أذكر. ولكنها كانت غريبة عنا. بيضاء خضراء العينين لا تغطي وجهها ومنذ تزوجها أخي لم يصلّ في جماعة قط.
وردة على كتفيّ أخي نبوءة خير. وهو يصلي ويمشي ويأكل. عندما ينام ويتكور حولها كـرَحـِم حنون, ترى سلسلة عموده الفقري متقوسة مثل أعجاز النخل في يوم عاصف. لم تـَحـْـبُ وردة أبدا, بل نزلت عن كتفي أخي ومشت ذات حلقة ذكر. بخطوات ثابته اتجهت إلى حضن المطوّع وهو يهدد العصاة بريح صرصر عاتية. لم تكن تعرف المجاملة, مراعاة الزمان والمكان, فعـبـَّـرَتْ عن رأيها بالتغـوّط في حضنه. تعـلـَّمنا من وردة أن ننطق بالحق وعلمناها أن الكذب أقصر الطرق إلى النجاة. وحذرناها, كما حذرنا آباؤنا من قبل, ألا تقصد أطراف الواحة حيث يعيش قوم "يفوصلاّ", لأنهم عـُصاة يصنعون السحر ويزورون القبور ويتبركون بالأولياء. لم يكن أحدهم يعرف أنني بعد سنوات قليلة سأهرب مع أحدهم إلى الجنة ولا أعود إلى بلدتنا التي حقَّ عليها أن تحرق إلا صورة في وسط مجلة خلاعية. هكذا أرد لهم جهلهم وجرائمهم.
عشنا ننتظر ولادة المهدي ونرى علاماته في المطر والقحط وحبات العدس المستديرة قبل أن تـُطحن. عجزت نساؤنا أن تنجب إلا دجالا أعور بعد دجال أعور. صـدَّرناهم إلى الواحات والصحاري والجبال وزوّدناهم بالماء واللبن والتمر وصوّرنا لهم الحور العين على أباريق الوضوء وجماجم الأعداء. وكنا على حق وكل من خالفنا على باطل. نحن قبيلة "المطوّع", طـوّعنا الإبل والغنم وأحلام النائمين ومرّغنا بالتراب الأفكار الشاردة. وأعلنـَّا الـرِّدَّةَ على كل من قال أن المهدي يولد من بطن إمرأة ليست منا وقطعنا رأسه.

لا أريد أن أكمل. وجع وردة يذبحني كتابة. أخرسوا كلماتها التي أخرست هي كتب البلاغة والنحو ونثرت بين مبتدأ الجملة وخبرها تسعة وتسعين صفة دون أن تزلّ وتأخذ نفسا. وردة التي أيقظنا غناؤها كل فجر ونبهنا إلى صلواتنا يوما بعد يوم قبل أن يرتفع صوت المؤذن بالأذان فطلبنا منه أن يصمت حتى أمرنا المطوّع أن نغلق فمها وقت الصلاة فلم نتوضـّـأ بعدها لصلاة أبدا.
في وادينا تطلع الشمس من المغرب ويكذب علينا المطـوّع قائلا أن هذا شرقنا وأن كل أرض حولنا تطلع عليها الشمس من الغرب إلا نحن, فنحن قوم إصطفانا الله لأفضل خاتمة. يوم جاء الحفارون بآلاتهم وعرباتها وأعجميتهم وملؤوا جيوب المطوع بالذهب والضمانات فسلــّمهم بساتين النخل ووقبور الأجداد, قال ألم أقل لكم أننا صفوة القوم؟ ها هو ربكم يخرج لكم من بطن الأرض رزقا. صرنا نؤمن بالنفط الذي يسيل من تحتنا ونـُصلـِّي للنفط. وأطلقنا عليه من الأسماء أثقلها. صار ابننا المدلل. شغلنا الشاغل. فهو البترول والزيت الخام والذهب الأسود. إشتعلت السماء حولنا ولكنها لم تكن جهنم بل بـَـرَكة تجـشـّـأت بها الأرض وتلـوّثت منها السماء. قليل تغير في حياتنا باديء الأمر, ظللنا حفاة عراة راعاء الشاة, إلا بيت المطوع الذي كبر حجمه وعدد حريمه الذي تضاعف ثم تضاعف مرة أخرى وثوبه الذي قصر أكثر وزاد نعومة. وفتاويه التي كانت تأتينا بكل حالتها السائلة والمتجمدة والهوائية وتظل مجـوّفة مثل قربة فارغة.

إن لم تخـنـّي ذاكرتي فظـنـِّي أني ابنة المطوّع وإخوتي أبناؤه. أو ربما اختلطت علي الأمور فكلهم مثله. أحيانا تلتبس علي الحقائق فأظنّ أنّي وردة .أتلمـّس سرتي. أعلـّق فيها حلقة على شكل وردة جورية وأصدق أنني هي. كان عندي إخوة كثيرون لا أحصيهم عددا. رمينا أحدهم في البئر مرة واعتكف بعضهم في الغار زمنا. وجوههم ظلت تعلق أمام عينيّ كبيوت العناكب السامة حتى عرفت بموت أخي الأكبر فسلختهم من أمامي ولم أذكر أشكالهم ولا أسماءهم بعدها.
أستغرب من السماء كيف تـُظـِلُّ واديا مثل وادينا ولا تنصبّ حجارة من سجيل عليه.
في وادينا كان ينبت الحنظل والبرسيم وتتكاثر الكلاب الشاردة. كنا أطفالا ذات صيف, بطوننا فارغة وأفواهنا فاغرة. في يوم طفولة قد تكون لغيري وجدنا وَكـْرًا لجراو حديثي الولادة. كان هذا قبل وردة. قبل النفط والسماء المشتعلة وهروبي مع نبي من قوم "يفوصلاّ" يجدل شعره وراء ظهره مثل جارية. ماذا فعلنا بالجراو, أنا وإخوتي بوجوههم التي تشبه بيوت العناكب؟ حفرنا لهم في الأرض وغمرناهم بالرمل حتى لا يجدهم أحد غيرنا. وتركناهم. عدنا من الغد لأنثى تنبح هلعا حيث كان جراوها بالأمس. فرميناها بالحجارة حتى ولــّتْ هاربة. نبشنا التراب عن جثث عمياء وتركناهم للذباب والدود.
في زاوية ملحـّـة من ذاكرتي يرعى قطيع الماعز. هكذا أرادنا المطوّع, كالمعيز, نرعى ونتكاثر ونجتر تعاليمه ونعطي بلا مقابل. كيف جاءت العربية بكلمة كهذه أو صفة كتلك؟ المطوّع؟ كلمة تعنيف وتعزير وقسوة لا مجال للرفق والشفقة فيها. إسم هو الكسر والتشويه والإجبار. إسم لا يحبه الله. أيها المـُـنـَصـَّـبُ قهرا فوق رقابنا والمسؤول قسرا عن أعراضنا والمحـرّف جرما لأحوالنا, أكرهتنا ولا إكراه في ديننا. كـفـَّرتنا وكـُنـَّا موحدين حتى ظهرت بيننا. أسهل على المطوّع أن يريق دم رجل عاقل من أن يتساهل في حكم السواك وإطلاق اللحية وتقصير الثوب. لا أعرف أكان يحبّ رائحة الدم أم منظر اللحم البشري تحته, ذلك الذي لا تجتمع رؤيته مع إحتمال أن تجري الحياة فيه. لكني لا أكتب عن المطـوّع. لا يجب أن أعطيه إهتماما أكبر مما يستحق فلأحرقه هو أيضا في واد الكلاب ذاك.
كنا نحارب قوم "يفوصلاّ" حتى يظلوا تحت راية المطوّع فلا يحلم أحدهم بإمارة ولا بئر نفط ولا وادي نخل. وكلما زاد جشعنا أجبرناهم على التقهقر إلى الوراء وأعـلنـّا أرضهم ملكا لنا. ومع هذا كانت أراضيهم المتبقية لهم تثمر رمـّانا وعنبا وعيون الماء تنبع من تحت أقدامهم. أولادهم فرحون ونساؤهم تغني ورجالهم تضحك في وجه الغريب وتكرم الضيف وتغيث المحتاج. كان علينا أن نكرههم ولا نثق بهم , نحن من نجتمع بعد الصلاة ونكبـّرلمشهد رأس وليٍّ يسقط.


مروحة ورقيـّة هي الذاكرة, تـُطـْوَى وبين طيـّاتها تتجمع الأحداث وتــَفـْهـَى ولكنها لا تزول. تظل متوسـّدة ثنايا الزمن المثني بين الورق, حتى تأتي موجة حـرٍّ ترسل يدا تهزها فتتساقط في الهواء دون ترتيب أو توافق زمني أو معنى.
وأتذكــّـر.
ذاكرتي مشطوبة مثل جدار طيني. منزعجة مثل قدر مليئة بالجريش الساخن. أستغـلّ هذه الفسـحة في ذاكرتي, السيولة التي تصدمني مع دوران المروحة المعلقة في السقف, فأرسم طرق بلدتنا الرملية قبل أن تحترق في ذاكرتي وتحل مكانها الأرصفة ومواقف الباصات العامة وإشارات المرور . بيوت طينية متباعدة, ساحات كبيرة. أو بيوت من خشب بينها خيام وإبل ترعى وصقور معصوبة العيون. كئيبة جدا طفولة لا تعرف قصص ما قبل النوم ولكنها تؤمن إيمانا مطلقا بالغولة التي تعيش في كهف أعلى الجبل, تحط علينا ليلا لتأكلنا صغارا إذا لم نحسن وضوءنا ولم نـُـصـَلّ أو نـَصـُم. لا زالت الغولة تشاطرني المكان والزمان حتى الآن, تتنفس الغبار حولي, عن يساري, على شكل قط أسود هزيل بحجم كلب محدودب الظهر طويل الذنب, لها قرون ورائحة كريهة. هذه الغولة هي إرث طفولتي.
ما كنت لأكون من أنا لو أن وردة لم تولد. ما كنت لأتبعها ذات عاصفة رملية حاصرت وادينا إلى مشارف بيوت قوم "يفوصلا" لأتبعها بعد ذلك شهورا قبل أن أتركها ترجع لقريتنا ولا أعود. كنت سأكتفي بالتأمل فقط, ربما, لا بالكتابة والعري. كنت سأقبل أن تحرق الشمس النمل تحت العدسات المكبرة ويذيب الملح الدرنات الكسولة ويـُـرْمـَى الضـبُّ حيا في الماء المغلي وأتعشى به دون أن يقشعـّر بدني لحظة.. غريبة أطواري, كشرنقة بشرية. حالات تواجدي مع نفسي ومع من حولي. كنت لا أنظر للأفق الممتد أمامي إلا من وراء حجاب, فلم أره صافيا قط. والآن, بعد أن كـَـشــَفـْتُ عينيّ للسراب أمامي وجدته حيا ينبض. لم أكن أعرف أن السراب الذي يهرع إليه المسافر وسط الصحراء قشعريرة تفلــّـتت من روح أنثى صعدت إلى السماء.
أنا المشدوهة منذ بدء التجربة المنعقدة حتى انتهائها. ماالذي أنطقني اليوم؟

صعبة هي محاولة العودة للوراء, سواء كانت تراجعا جسديا للخلف, مشيا للوراء, أو قيادة عكسية للسيارة مثلا- الشيء الأكثر صعوبة عندي ولا أتقنه أبدا: صراعي مع عجلة القيادة والفرامل ودعاسة البنزين والمرايا الجانبية والمرآة المعلقة في نحر السيارة كتميمة. في حوار عكسي الغرض منه حشر السيارة بين اثنتين في مواقف طولية على جانب الطريق. رجوع محسوس ملموس مفعم بالإحتمالات. محسوب بالأمتار وتذكرة الوقوف مقروءة الأرقام فلماذا تتعبني القراءة والكتابة وتجهدني العودة إلى الماضي؟ ولماذا أصرّ على العودة؟ لماذا أعجز عن استئصال هذا الألم, شفطه من بدني كالدهن, تغيير ملامحه بإبرة بوتوكس أو عملية جراحية؟ لعلهم لا يذكرونني الآن, وأنا يملؤني هذا الغيظ من ذاكرة تخذلني بحـدّ ذاتها وتتكـوّر على نفسها وتتوالد أحداثا عجيبة.
أحـلامي أضغاث أحلام, فيها سواك المطوّع, يجلدني به أو يغتصبنى. أحيانا أحلم أنني إحدى زوجاته, أوأنه يلدني رأسا بدون جسد. وقد أحلم بأحشاء الغنم خائسة منثورة على سلالم بيتي. نـَقـْرٌ على موخـِّـرة عنقي مثل الـبـَـرَد يضرب رمل الوادي ليلا. أجـترُّ التفاصيل عديمة النكهة زمنا قبل أن أبصقها وأمسح فمي بظهر كفي. ومن بين كل الصور الباهتة يقفز رأس المطوّع الأصلع مثل أرض صحراء جافـّة تـشــقــّق سطحها. تـُخـْرج السحالي رؤوسها من بين الشقوق وتلتفّ حول لحيته مادّة ألسنتها طمعا بالهواء فيبتلعها المطـوّع جملة قبل أن يستدير إلى نـِيـَاقـِه ليقامر على فوزها في السـَّبـَقْ!
للصحراء فصلان: فصل زمهرير وفصل رمضاء. بين زمهريرين ورمضاء جاء أجدادنا الغزاة إلى واحة في الثلث المقطوع من الصحراء وأعلنوها دولة. قاتلوا فقتلوا ورفعوا الرؤوس على أسنة الرماح عظة وعبرة لمن أراد أن يعتبر. لم تكن معركة حتى يدوم الدين لله, ولكن حتى تظل السيادة لنسل واحد. صار لنا قومية وتشريعا ومسجدا كبيرا وبعد عقدين من الزمان افتتح أحدهم أول مدرسة للذكور..
لم تغير فينا المدارس شيئا. أول مدرسة ابتدائية للذكور وبعدها بسنين أول مدرسة للبنات. ثم, الإعدادية والثانوية. صار عندنا وزارة مياه وأشغال عامة وقصر لكبار الزوار وحديقة حيوانات وسفير في الأمم المتحدة ومطار وطائرة وبرج مراقبة يراقبنا أكثر مما يراقب الطائرات العالقة في الهواء كسرب جراد. ولكنها فشلت من تغيير المطوّع الذي لا زال يستنسخ من صورته صورا لأجيال لم تولد بعد.


ما أبسط الخطوط المستقيمة, السير بموازاتها, كخطوط الطول أو العرض, رغم أنها محدودبة, إلا أنها الأقرب للإستقامة. عليها يمشي الأنبياء, فوقها تحـلـّق الملائكة, وبينها يتصارع الشياطين والمنافقون.. بين خط طول وخط عرض, على درجة أقرب إلى السعير وأبعد عن النور, يقع وادينا وينبح كلابنا. أعرف أن هناك خطوطا أخرى, تأخذك بعيدا عنا, حيث تلمس الكرامات وجوه النساء وتجري سلسبيلا بين أصابع الكهول. بالإتجاه الذي يقصده "فـرّقنا" كلما أعطانا ظهره وولـّـى مـُتــَّجها إلى قوم "يفوصلا" بعد أن نثر محتويات حمله الثقيل على عتبات بيوتنا وأفرغ جعبته من قصص الجنّ وجزر غارقة في محيطات سوداء.
"فـرّقنا" لأنه كان يصيح"فـرّقنا" معلنا حضوره فلم نسأله عن اسمه ولا عن أهله ولا عن زرقة السماء في عينيه. نراقبه مقبلا في اتجاه بيوتنا بلا موعد فكأنه أكثر المواعيد تأكيدا. لا ندري أكان يزيد حمله ثقلا وهو يغادر وادينا, حتى بعد أن أفرغه مرات ومرات على العتبات, وربطه ثانية ورماه فوق ظهره ومشى مـُوَدِّعـاً. كنبي. لا نملك إلا إن نـُـكـَـذبه فنتلكـّـؤ مشككين في جودة أقمشته وصلابة قدوره المعدنية وبـَجـَاحـَةِ حمـّالات الصدر بألوانها الغريبة وأحجامها البذيئة. نشكـّـك بصدق نيته. خطواته على الرمل تكاد تـُعـْـشـِب, وعربيته لا تفضح أصله. نخاف من كرامة قد تتفلت من طـيـّات الأقمشة بين أصابعه وعود الأراك بين شفتيه.
تمشي وردة وراءه ولا يشعر بها أحد, وسط زوبعة من رمل ارتفعت حولهما. أهرع خلفها لأعيدها ولا أستطيع. هكذا هي رفقة الملائكة. مشيهم سباحة وطيرانهم عتق للذاكرة. أربعة أقدام أم أجنحة تحيطها هالة من نور. وأعرف. أعرف لحظتها أن وردة ليست لنا, أننا لا نستحق كرامة مثلها. مشيهما مثل الطفو على الماء إلى أن وصلا قبلي إلى بستان لا سور له خارج حدود وادينا يثمر به النبق والرمان ومسافات زمنية من الورود تـُتـْعـِبُ العين الكسولة مثل عيني. نبي لأن الأنبياء تمشي على الماء أو تفلق الماء أو تضرب الصخر فينبجس الماء منه. الأنبياء لا تسبح إلا داخل بطون الحيتان. والمتألـّـهون يبتلعهم الماء.
كان يقف, بينهم أو أمامهم, أو فوقهم, وليّ جاء من زمن بعيدة اتجه إليه "فـرّقنا" مـُقـَبـِّلا يديه وقدميه. أمسكت بيد وردة خوفا من بياضه. أنا التي لم أر في عمري وجها يبتسم عن نواجذ بيضاء هكذا ولا سـِـلـْـماً ينبت في لحية طيبة هكذا, خفت من ابتسامته المرحبة الراضية. من صوت كان يرتل في أذني: "وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى."
الرضا؟
وأهرب عائدة بوردة وريح القرنفل والياسمين يتفلت من أصابعها وفي عينيها وجه نبي قوم "يفوصلا". أدْرِكُ وأكـَـذبُ نفسي أنْ لاهروب بعدها إلا إليهم. حتى نسيت مع الوقت أني كنت أتبع وردة, وصرت أتجه إليهم وحدي.


رأيته ينشل الماء من بئر عند منعطف الطريق. خلع قميصه وأسدل شعره على ظهره وجلس يتوضأ. على كتفيه نتوءان, علامتا استدلال وبقية معركة. خطـّان امتدا من وسط الكتف وكادا أن يلتقيا في منتصف ظهره, جعلاني أتخيل سكينا مصوبة على ظهره, تبتر أجزاء منه, تستأصلها...ماذا قطعت السكين؟
في عينيه ثلج ونار. عينان تجـمـّرتا بشروق الشمس في بقاع لم أرها ولم أكن أظن أن لها وجودا على الأرض. كان هذا قبل أن أمشي معه على الجليد وألعق ألسنة الثلج المدلاة من أغصان شجر الصنوبر. قبل أن أعرف أنه ملاك سقط على الأرض ولاحقته النساء ينتفن ريش أجنحته وينثرن الريش في كل مكان حتى لا يستطيع الطيران والعودة إلى السماء, لأن الأرض تحتاج أن تطأها أقدام الملائكة, أما السماء فحبلى بهم. قصـّوا أجنحته. نتفوها ونثروها شرقا وغربا, شمالا وجنوبا, طوليا وعموديا, زيـّنوا بها مداخل بيوتهم, جدلتها النساء في شعورهن. كتب بها الشعراء دواوينهم ولـوّن بها الرسامون درجات الشفق في أحلامهم. أضع يدي في يده فأرى شواطيء وصخب وقلاع رملية تتصدع وتذوب داخل حدود الموج. أرى المتسكعين على الرمل, بثيابهم وأغطية رؤوسهم وكل ما منعتهم عنه نساؤهم وأمـّلتهم به أرامل الآخرين.
"أنا بشر مثلك," يقول. هل يجوز للملائكة أن تكذب لتحمي أسرارها؟ صدقني, سيدي, رأيت الرجال قبلك, وأنت لست منهم.
قال لي أشياء كثيرة, ذاك المريد الصادق. أقرضته لنا السماء, أمانة. فما كان منا إلا أن نزعنا عنه أجنحته وأغرقناه في ذنوبنا. قال ارجعي لقومك وعلميهم أن الله حب. قلت يذبحونني, فالله قاهر شديد العقاب. قال وما رأيت من قهره؟ أجبته هل رأيت المطوع من قبل؟ فسكت, لأن عينين استسلمتا لحب الله لا تستطيعان أن تنزلا عرضا على وجه المطوع قتحترقان.

خذني معك . اذكرني عند ربك. أبعدني عن هذه الصحراء ليوم واحد فقط ثم تناسى وجودي.
ورضي. ذهبت معه نطوي رمال الصحراء. سرت معه ألملم ريشه حتى بلغ النصاب وطار عائدا إلى السماء وتركني على الأرض أنتظر أن ينفخ إسرافيل بوقه. يبحثون عني فأختبيء تحت الرمل. مـرّوا من حولي ورأيتهم يصارعون الموت غرقا ولم أمد لهم يد عون. السهولة التي خلعت بها عباءتي لأجد أن الشمس قد لفحت وجهي حتى قبل أن تراه. لم يكن معي إلا ثلاث أساور ذهبية وخاتم من نحاس ورغبة أن أولد من جديد. وهذا ما كان. أنا وثنية الفطرة. أخلق آلهتي بيدي من تمر وآكلهم متى جعت. بضعة آلاف سنة ضوئية قـُدما ولا زلت أمّ لهب. حفيدة بني هذيل. لي حذاقة عمر ومكرثعلب. أحفظ نجوم السماء كما أحفظ خطوط يدي. قلت أنني أميرة هاربة من زواج متعة. جارية عند سيد قاس كاد أن يبيعنى طعاما لكلاب السلق. أم أخذوا مني رضيعي وقضموا رأسه أمام عيني. كتبوا عني. منحوني اللجوء في أكثر من سفارة ودولة. ناصروني. خلعوا عليّ جوازات سفر مختلفة. حريـّة بيضاء. الجئي إلينا أيتها السمراء من وسط الصحراء الظالمة.

أي خطوط مستقيمة تلك التي كنت أتحدث عنها, أنا التي أتنحى عن كل خط مستقيم؟ قصيرة هي الخطوط المستقيمة, تصل فيها إلى النهاية بسرعة. لا متعة فيها ولا ضياع. المتعة والإثارة في المشي, الركض, أو حتى الحبو. في الحركة ذاتها, لا في النتيجة. ولهذا أمشي للأبعد.
الطريق إليّ زحف أصـَـلـَة. مـُـلــَـبـّـكٌ طريٌّ مثل وعاء عصيد. معـقـّـد مثل أصول الفقه.
أحفظ كل شيء غربا, من اليسار إلى اليمين.. أكتب بيدي اليسرى وآكل بها ولا أحد يهوي عليّ بالعصا. كنت خاوية, فسهل علي التعلم. امتصاص كل شيء, الكلمات والقواعد والأشكال والقوانين. املئوني بأي شيء, إلاّ الهواء.
على شاشة التلفزيون, قبر يحفر. جسد مـُغـَطـَّى كـُـلـِّـيا يـُسـْحـَبُ من القبر, يـُجـَـرُّ من الكتفين. ثوب أحمر. خمار بلون حبوب اللقاح: "ضحية أخرى لجرائم الشرف في ......قتلها أبوها..."
وردة...
ماذا حصل للتفاحة التي قضمت منها حواء وناولتها لآدم؟ هل تتعفن ثمار الجنة؟ أشياء مائية وأخرى من نار.
أضرب كفا بكف. يتساقط الرمل من بين أصابعي. من داخل أذني...وردة.
سفينة صحراء أنا. لا أعرف العطش ولا النوم.
أنا وردة. اسمٌ عذبٌ مثل ولادة. سهل النطق. مخرجه تكـوّر الشفاه على قبلة وهمسة. انقلاب اللسان بعد التأتأه. أول صوت من حنجرة خرساء. انشداه عين يصدمها الندى عند الشروق. وردة. مخلـّـد مؤقــّت. موت يسبق الميلاد أو استمرارية الحياة بعد الموت. الإسم اللون, الرمز, الباقة المـعـمـّـدة بالماءحيث يتفتح البرعم. قبري واد أغرقه سـدّ إرم. اتركوني عند بركة ماء. اغمروني برمل البحر. جائعة أنا أبحث عن مخبأ. أستنشق ملح الموج البارد شتاء, طبقات مثل الهواء. أنا امرأة يصعب أن تـُنـْسـى. اذكر أمامي قواعد لغة ذات مساء, أي لغة, واترك قرب سريري حرف عطف واسم رضيع أستيقظ صباحا وقد أصبحت تدورعلى لساني كلغتي الأم. أعطني جذر كلمة أصـرِّفـُها لك. ارمني بمبتدأ مبتور أهبك قصيدة تحتاج لمعاجم شتى لتصل بالكاد إلى أسهل معانيها..أتهـجـّأ أبجديتي الجديدة على وتر عود. أدخل مجلسا فيتلاشى الجميع. تتساوى أعمارهم وأطوالهم وملامحهم وأبقى أنا الدهشة المهيمنة على حدود الشفاه. أرشف من فنجان القهوة المنسي أمامي فيفصل لعابي رائحة الهيل عن لون البن عن طعم مياه البحر المكررة عن أنفاس أولئك الذين سبقوني إلى غابات الأمازون بحثا عن حبة بن.


في جنوة, شمال إيطاليا, كفرت بالمذاهب الأربعة واعتنقت لغة يغيب فيها ضمير المتحدث طوعا. قلت: حدثوني عن أنبيائكم. عمـّـدوني بالبحر مثل يونس. أغدقوا عليّ تبر سليمان وخذوا عـنـّي حكمة داوود. جئت من صحراء تمحو كثبانها الرملية الخطوة قبل أن تسقط من ظل النعل, أسعفوني برشفة نبيذ أو ملعقة جيلاتو!
هناك التقيت بالربيع أول مرة. بدؤ شرارة ينفذ من بطن الأرض. زمن من الخضرة والأزهار وأمطار الشهور الماضية. بعدها بسنين, استلقيت على ظهري تحت شجرة صنوبر لأتنفس خريف واشنطن وهي تسقط في تبتل فوق جبيني. برودة في أطرافي ودفء مخبوء في بئر سـرّتي لأتعلم الـعدّ من أنفاس رجل نائم على بعد نفس مني.
ما الذي كنت أصنعه في الصحر اء نيـّـفاً؟

هاجر عبدالسلام



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا لزيارة الموقع وترك ملاحظاتكم. يمكنكم الإطلاع على كتابي, مجموعة القصص القصيرة, عشاق أمي
http://www.all-prints.com/book.php?id=411

Thank you for visiting my blog and leaving a comment. Please check out my book
http://www.all-prints.com/book.php?id=411