نـيـلام
كنتُ أعبدُ ربـًّا واحدًا قبلكِ حتى اقتحمتِ حياتي بآلهة من نار وشعائرَ بلغة لا تراجم لها. صور منقوشة على أبواب المعابد الهندوسية, تحكي قصتنا, منها بـُعـِثــْتِ, فآمنتُ بكِ, في هذه الحياة وما سبقها وما سـيليها, حتى أكـَـفـِّـرَ بكِ عن كل أنثى سبقتكِ, وكلِّ دين ٍ شغلني عنك.
يا خطَّ الكحل السائل فوق جفون ناعسة, ونقطة التيلاك الحمراء المشتعلة على جبين مقدس.
ثلاثة أشهر وثلاث أيام منذ لا مست أصابع يدك اليمنى جبيني النازف وأشرت إليّ بالصمت. إصبعك الشاهد يقترب من أنفك مطمئنا وبريق الشمس ينعكس على الخاتم الذهبي في طرفه. أوّل حوري العين في الجنـّة. لمثـلك هرعت للموت وأخفقت.
"أنا امرأة من ماء," قلتِ لي يوم أحببتكِ. "وُلـِدْتُ صيف الفيضانات على ظهر موجة زارت الشـِّعاب المرجانية في بلدك وعادت لتلعق غبار الزعفران عن أطراف السواري المصبوغة بلون البرتقال. جئتُ إلى هذه الأرض حبلى بكْ. نطقتُ في مهدي المكـَّور على الموج تحت عين الشمس ونطقت باسمك, أنشودة مهد, كتاب صلاة . وُلــِـدْتُ في حالةٍ سائلة. صـُـبـَّني في كأس واشربني. أخلطني بـِلـَبـَنـِكْ. استحم بي. اسبح فوق بطني. دعني أدخلك, أحيطك. اسمح لي أن أتــَّخذ منكَ إلها. أعـِدْ خلقي إلى أي شيء, اجعلني ظـلــَّكَ, سيدي,حرفا من حروف اسمك. كم أشتقت إليك. هذا الجوع داخلي لك, يشطرني نصفين, ماذا أسميه؟ أي لغة تتعرف عليه؟"
ثلاثة أشهر وثلاثة أيام منذ قطعت الطريق بين قنابلي ومعبدك, تطعمينني خبز النان وتملئين فراغات روحي ببطولات شيفا وكريشنا ولون الفيروز الأزرق في مقاطع اسمك.
"ستعرف إن كنت سأجلب لك سعد الحظ أو نحسه خلال ثلاثة أيام," قلت لي."هذه لعنة اسمي, أو بركته. أخبرني عن أحلامك."
أحلم بطاووس أزرق الرقبة يتبختر فوق جبيني كل ليلة.
"لا تضيع وقتك بالنوم," قلت وأنت تدورين مع أميال ساريك الأخضر, قبل أن ترمي بطرفه على كتفك وترحلين.
كنت الصوت الخافت في أحلامي, والدفء المخبوء تحت أغطيتي. كنت ناموسية الحرير تحيط بي, رائحة المطر حولي. كنت أول ابتساماتي وآخر لوعة تـفـَـتــَّتَ لها كبدي.
كنت خوفي الأقوى. الشعور المـُـلـِحّ بحاجتي المتواصلة إليك. كيف لي أن أواجه نفسي بعدك؟ ماذا سأفعل بي, نيلام, عندما أبحث داخلي عن حقيقة من أنا, أقلبني, وإذا بي أسـْكـُبُ اسمـَكِ من داخلي أسماكا صغيرة تهرع لنهر متجمد؟ سيدتي , اسمك سياط جـَلـْدي ودواء علتي.
أنزف حتى الموت سيدتي على امتداد خط الهدنة بينك وبين الإنتحاريين من حولي. تنازعوا عليك ورشوا الفتن بيننا كما يرش الملح على الثلج ليذيبه. تركوني وقتلوك.
وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟
قالوا ماتت.
سياط اللهب النابت من ثدييك, يا راقصة حتى الرماد. أشعلوك على أوراق الموز وأغصان البامبو, عطرا يـُصـْهـَرْ. أيُّ ساري ألبسوك؟ وكيف استقبلت النارَ حـنـَّاءُ كـفـَّيك الأملسين؟
قالت: أريد أن أبعث سمكة.
قـرِّبوني منها يا حراس المعبد. أدخلوني على "شيفا" أسـتـعـطـِفـُهُ أن تـُبـْعـَثَ حبيبتي مرة أخرى على صورتها الأولى. كانت حتى الأمس تتقـلـّب بين يديّ كقطعة مستكة بين أسنان بيضاء, تزداد طراوة ومسكا كلما زاد مضغها.
يا نار كوني بردا وسلاما على نيلام.
يسقط الثلج على جبال كشمير. أنظر إليكِ مسـجـّـاة كتنهيدة. اغرورقت لموتك السماء واكفهر وجه السحب. من أرسل عواصف الثلج لتخمد نارك سيدة المعبد؟ من سـيـّر وابل المطر يجرف رمادك من جبل إلى واد إلى نهر هادر, جسدُ إمرأة تستحم بالماء والثلج والبرد؟ شهيدة أنت رغم أنف النار.
قبل الرماد هناك إيجاز عصارة الجسد المذبوح تقطر من أنامل طالما لاعبت أوراق القرنفل واستحـمـَّتْ بزيت اللوز. هكذا يشتعل الجسد, تـُصهر الساق وتتلاشى الشفاه المطبقة على صلاة وقـُبـْلـَةٍ لم تنبس عنها.
صوتٌ مهول, صوت الحطب المحترق معك, وعقود الياسمين حولك.
استدارة بطنك. هل كنت تحملين نطفتي؟ كلاكما تحت الثلج وبين الدخان. أي شيء, أي شيء, نيلام, وأطبق شفتيّ على أذنك! أحاول تذكر شكلها, طعمها, وأعجز. في جوعي إليك, أهملت أجزاء كثيرة من جسدك. هذه خطيئتي فيك, قديستي, ذات الإسم الممزوج بالعسل والحرير. إغفري لي إهمالي إياك.
ياربا يُحرق في كشمير.
قدرٌ أن يكون حـُبـَّكِ عبادة, وحبي حرب ردة. فلا شيء في كشمير إلا وتمـزَّق. جئت بلادك أنشد الله والشهادة, وجئتني بأقدام حافية وخلاخيل ترقص شبقا حول كاحلين مـُسَـلــَّـمـَيـْنِ لا شـِـيـَة َ فيهما. حاجبان تقـوَّسا فوق عينين بوحشية الأوغال وكثافة السهول الغارقة تحت المّطر.
نيلام.
أيام كهذه أقفلها على ذكراك, نيلام. حين يعلو ثغاء النعاج التي تساق إلى الذبح, ويموت الحجيج دعسا بالأقدام وتحلق الرؤوس. في الكتف اليمنى المكشوفة شوقا لله, في الأيدي الضارعة إلى رحمته, مرتفعة تناجيه, والعيون المحمرة بكاء من خشيته, في بياض الإحرام وتقـشـّـف الأقدام الحافية...أقف على جبل عرفات أزاحم الحجيج ,أسبقهم إلى منى. بيدي ثلاث جمرات أربطها بطرف إحرامي وأرتد على كعبيّ مغادرا. أحزمها في متاعي بين عيدان البخور وزيت المسك والكافور وقت الرحيل. لا أرجم إبليس فليس بيني وبينه دية ولا نزاع. أدفنها في إصيص الزرع عند مدخل بيتي.
نحن قوم نحب رائحة الموت. نشتاق للدماء. نذبح أبناءنا إن استعصى علينا ذبح خرافنا.
اسألوا كبيرهم.
في أيام كهذه أبحث عنك, ولا أجد إلا رائحة شعرك يحرق.
بعدكِ, ساءلت نفسي: ماذا كنت أعرف عنكِ؟ ماذا أذكر منك؟ كنت مشكلتي, نيلام, معضلتي. أذكر راحتي على صدرك, طراوة ذراعك الممتدة عبر فراشي كجسر عائم. أذكر تنفسك فوق وجنتي يملؤني سحرا. بالكاد أستطيع استرجاع ملامح وجهك, نعومة شفتك العليا وطعم الزنجبيل بين ثدييك. جلدك التي قـبـَّـلــَتـْه الشمس قبلي أعواما. إسمك: اسطوانة ألوان ومعزوفات ساحرة, دعوة إلى صلاة تهجد.
أنظر إلى سطح بحيرة ساتيار المتجمد كمرآة وأسمعك تتسـلـّـلين فجرا مغادرة ولا تعودين. وادي كشمير يتمـخـّـض أمامك بالموت. استديري عائدة لي قبل أن تنفجر الأرض من تحتك.
كم نيلام غيرك مـزَّقــَتـْها عـبوّاتنا الناسفة باسم الله؟ شـهيدة ٌ أنتِ رغم أنف النار. غسلك الله بالماء والثلج والبرد فلا خوف عليك..
لقد جننت بعدك, فيروزتي الزرقاء. هناك قسوة في الهواء حولي. حقد. لماذا لا تمطر السماء هنا حبيبتي؟ أرسلي إعصارا إلي, يا ذات الإسم الفيروزي الذي يهدد بالقضاء علي وإحيائي من جديد.
أكتب للأيام القادمة التي أصحو بها وحيدا, لليالي التي تمتد أمامي كـَعـِقـَابٍ أزلي, حتى ألقاك. لا أنام بعدك, نيلام. فراغ كل ما حولي. أتخيلك جواري, يدك المثقلة بالأساور الذهبية توقظني قبل أن تهرب مني للصباح الغادر.
أين هو موسم الفراشات الملونة منك؟ فصل الشرنقات المتفتحة عن أحلام مستحيلةٍ تلعق الندى عن أعمدة الخيام البيضاء؟ كنت أنام على سرير حب. واحة تزورها آلهة الهند بأسماء هي البداية والنهاية, الصوت والصدى. أسماء هي عمود المعاجم, أنفاس لا نهاية لها. والآن, سريري صحراء ومخدتي صخور مهجورة.
هاجر عبدالسلام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا لزيارة الموقع وترك ملاحظاتكم. يمكنكم الإطلاع على كتابي, مجموعة القصص القصيرة, عشاق أمي
http://www.all-prints.com/book.php?id=411
Thank you for visiting my blog and leaving a comment. Please check out my book
http://www.all-prints.com/book.php?id=411